دكتور محمد يونس : تخطيط الصناعات الصغيرة في الدول النامية

 

الأستاذ الدكتور محمد يونس أستاذ الاقتصاد وعميد تجارة الأزهر  والمستشار الاقتصادي بالمركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى

تخطيط الصناعات الصغيرة في الدول النامية

الصناعات الصغيرة في الدول النامية

          تتميز اقتصاديات الدول النامية بعدد من الخصائص من بينها التخصص في الزراعة أو استخراج المعادن، وهذا يعنى أنها ليست اقتصاديات صناعية، وليس أدل على ذلك من انخفاض نسبة الناتج الصناعي إلى الناتج القومي، وكذلك انخفاض نسبة العاملين في قطاع الصناعة إلى إجمالي العاملين في الاقتصاد القومي.

          والواقع أن هناك إجماع من الاقتصاديين على ضرورة اتجاه الدول النامية نحو التصنيع، وكذلك على ضرورة التخطيط من أجل التصنيع. وقد دلت تجربة السنوات القليلة الماضية على أن المسئولين عن التخطيط في الدول النامية يواجهون عدداً من المشاكل في مجال تخطيط الصناعة. ومن هذه المشاكل على سبيل المثال مشكلة المفاضلة بين البدء بالصناعات الخفيفة أو الصناعات الثقيلة، ومشكلة ضيق حجم السوق، وإلى جانب هذه المشاكل فقد دلت التجربة كذلك على أن المسئولين عن التخطيط الصناعي في الدول النامية قد وقعوا في بعض الأخطاء مثل عدم إعطاء الاهتمام الكافي للصناعات الصغيرة.

          وعلى هذا الأساس سوف يتضمن هذا المبحث الموضوعات الآتية:

أولا: حتمية الالتجاء إلى التصنيع.

ثانيا: ضرورة التخطيط من أجل التصنيع.

ثالثا: مشكلة المفاضلة بين الصناعات الخفيفة والصناعات الثقيلة.

رابعا: التصنيع وحجم السوق.

خامسا: الصناعات الصغيرة.

أولا: حتمية الالتجاء إلى التصنيع:

          يتفق معظم الاقتصاديين المتخصصين في دراسة مشكلات الدول النامية على أن أسلوب التصنيع هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن هذه الدول من القضاء على التخلف الاقتصادي خلال فترة قصيرة نسبياً وذلك بتحقيق معدلات سريعة للنمو الاقتصادي، وفيما يلى أهم الأسباب التي تؤيد هذا الاتجاه:

          1 – يؤدى أسلوب التصنيع إلى زيادة متوسط دخل الفرد بمعدلات مرتفعة نسبياً. فمن المعروف أن متوسط دخل الفرد في الدول الصناعية أعلى منه في الدول الزراعية، وكذلك فإن متوسط دخل الفرد من العاملين في قطاع الصناعة في دولة ما أعلى من متوسط دخل الفرد من العاملين في قطاع الزراعة في نفس الدولة. ويرجع ذلك إلى أن نصيب العامل في قطاع الصناعة من كمية رأس المال المستخدمة أكبر من نصيب العامل في قطاع الزراعة، وكذلك فإن وفورات الإنتاج التي تتحقق في قطاع الصناعة أكبر بكثير من تلك التي تتحقق في قطاع الزراعة، وهذا يعنى أن إنتاجية الفرد من العاملين في قطاع الصناعة أعلى من إنتاجية الفرد من العاملين في قطاع الزراعة.

          2 – إن استيعاب التكنولوجيا المتقدمة أي أسلوب وفن التطور الإنتاجي والصناعي في مختلف مظاهره من صناعة وتقدم البحث العلمي والاستعداد المهني، يبرز فيه الجانب التطبيعى أكثر مما يبرز الجانب الزراعي.

          3 – إن التقدم في قطاع الزراعة ستكون ثمرته محدودة بمعنى أنه لن يستفيد منها إلا هذا القطاع وحده، أما التقدم في الصناعة وإدخال الطرق والوسائل الفنية الحديثة في الإنتاج، فستشمل ثمرته جميع القطاعات بما في ذلك قطاع الزراعة. ويرجع ذلك إلى أن تقدم التصنيع في دولة ما يؤدى إلى نمو الكفاءات العمالية والإدارية لأن الصناعة مدرسة للخبرة وميدان لاكتساب وانتشار الكفاءات والمهارات.

          4 – تظهر حتمية الاتجاه نحو التصنيع بصفة خاصة في الدول النامية التي تعانى من تضخم السكان بالنسبة للموارد الطبيعية، فالقضاء على التخلف الاقتصادي في مثل هذه الدول (كما هو الحال في جمهورية مصر العربية مثلا) لن يتم إلا بتحويل فائض السكان الزراعيين إلى الصناعة. فبذلك يمكن حل مشكلة البطالة المقنعة Disguised unemployment التي تتسبب في خفض متوسط إنتاجية العامل الزراعي في عدد بكير من دول العالم الثالث، وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ تدل على أن بعض الدول الزراعية كانت تعانى من تضخم السكان بالنسبة للموارد الطبيعية، ولكنها – على الرغم من ذلك – استطاعت أن تصل إلى درجة عالية من التقدم الاقتصادي نتيجة لاتجاهها نحو التصنيع، ونذكر من هذه الدول على سبيل المثال انجلترا واليابان(1).

          5 – مما يشجع الدول النامية على الاتجاه نحو التصنيع بنوع من الاطمئنان، أنها تستطيع أن تتغلب على ارتفاع تكلفة الإنتاج في الصناعات الجديدة وذلك بالاتجاه إلى الحماية الجمركية للصناعات الوطنية وإعانة الصناعات الناشئة وغير ذلك من الوسائل والإجراءات التي تتضمن بقاء نمو هذه الصناعات حتى تستطيع أن تقف على قدميها وأن تصمد في وجه المنافسة الأجنبية.

          6 – إن استيعاب التكنولوجيا الأجنبية التي وصلت إلى درجة عالية من التقدم بالنسبة لما هي عليه في دول العالم الثالث يتخذ الطابع الحركي Dynamic في قطاع الصناعة أكثر منه في قطاع الزراعة. ويظهر ذلك بوضوح عندما نقارن مثلا بين الأثر الحركي في حالة إنشاء المصانع الضخمة وزيادة إنتاج السلع تامة الصنع، وبين الأثر الحركي في حالة زيادة الإنتاج الزراعي عن طريق انتقاء البذور الجيدة وزيادة المخصبات الكيماوية وتنويع الحاصلات الزراعية و…الخ.

          7 – من المعروف أن رفع مستوى المعيشة ومستوى الرفاهة في أي مجتمع يتخذ مظهر المزيد من استهلاك السلع تامة الصنع ولاسيما السلع الاستهلاكية طويلة الاستعمال مثل السيارات والثلاجات والغسالات الكهربائية وأجهزة الراديو والتليفزيون و…الخ ومن ثم يقترن التقدم الاقتصادي والاجتماعي بالتصنيع والتوطن في المدن.

          8 – تتعرض أسعار السلع الأساسية (المواد الأولية والمواد الغذائية) لتقلبات عنيفة أكبر بكثير من تلك التي تتعرض لها أسعار المنتجات تامة الصنع، والواقع أن هذه التقلبات تسبب أضراراً بالغة لاقتصاديات الدول النامية. فعندما تنخفض الأسعار العالمية للسلع الأساسية – وهذا ما يحدث غالباً – تقل حصيلة الدول النامية من العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الرأسمالية الإنتاجية والسلع الاستهلاكية الضرورية غير المتوفرة محلياً مما يؤدى إلى تعطيل تنفيذ برامج التنمية. أما في حالة ارتفاع الأسعار العالمية للسلع الأساسية، فإن التضخم يسود اقتصاديات الدول النامية لأن زيادة حصيلة هذه الدول من الصادرات يؤدى إلى زيادة الدخل ومن ثم زيادة الاستثمار العام والخاص وكذلك زيادة الواردات والطلب على السلع الاستهلاكية ولاسيما السلع الكمالية.

          علاوة على ذلك فإن إحصاءات التجارة الدولية تدل على أنه في الأجل الطويل تميل أسعار السلع الأساسية التي تصدرها الدول النامية إلى الهبوط، بينما تميل أسعار السلع تامة الصنع التي تستوردها تلك الدول إلى الارتفاع، وهذا يعنى أن معدل التبادل Terms of trade يميل في غير مصلحة الدول النامية، ومن الواضح أنه لا يمكن التغلب على هذه المشاكل وتفادى ما يترتب عليها من مساوئ إلا بالاتجاه نحو التصنيع.

          نخلص مما تقدم إلى أن الوسيلة الفعالة – إن لم كن الوحيدة – للقضاء على التخلف الاقتصادي في دول العالم الثالث تتمثل في أتباع سياسة إنمائية قوامها التصنيع بمعدلات سريعة.

          ولكن ليس معنى ذلك أن يكون الاهتمام بقطاع الصناعة على حساب قطاع الزراعة. وبعبارة أخرى لا يجب على الدول النامية التي تتجه نحو التصنيع أن تهمل قطاع الزراعة أو تقلل من أهميته.

          وترجع ضرورة الاهتمام بقطاع الزراعة إلى الأسباب الآتية:

          1 – من المعروف أن الدول النامية التي تتجه نحو التصنيع تكون في حاجة إلى كميات كبيرة من العملات الأجنبية لاستيراد ما يلزمها من السلع الرأسمالية الإنتاجية، فلابد إذاً من الاهتمام بقطاع الزراعة لزيادة الإنتاج الزراعي ومن ثم زيادة الصادرات والحصول على العملات الأجنبية اللازمة.

          2 – إن الاتجاه نحو التصنيع سيؤدى بلا شك إلى زيادة العمالة ورفع مستوى الأجور أي زيادة متوسط دخل الفرد. ومن الطبيعي أن يترتب على ذلك زيادة في الطلب على السلع الاستهلاكية ولاسيما المواد الغذائية على الأقل خلال المراحل الأولى للتنمية حيث يكون متوسط دخل الفرد منخفضاً ومن ثم فإن الجزء الأكبر من كل زيادة فيه يخصص لشراء السلع الغذائية، ولذلك فإن اتجاه دولة ما نحو التصنيع دون محاولة زيادة الإنتاج الزراعي في نفس الوقت يؤدى حتماً إلى ظهور التضخم.

          وقد يقول البعض أنه يمكن التغلب على هذه المشكلة باستيراد الكميات اللازمة من السلع الغذائية من الخارج. ولكن يجب ألا ننسى أن دول العالم الثالث – على الأقل في المراحل الأولى للتنمية – تكون في أشد الحاجة إلى العملات الأجنبية لاستيراد السلع الرأسمالية الإنتاجية اللازمة لتحقيق النهضة الصناعية.

          3 – من المعروف أن نجاح أي خطة صناعية يتوقف على عدة عوامل أهمها وجود سوق كافية لامتصاص الإنتاج الصناعي، فالاستهلاك هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي، ولما كان سكان المناطق الريفية في الدول النامية يكونون من 50% إلى 70% من مجموع السكان، فلابد من العمل على رفع إنتاجية العمال الزراعيين لزيادة دخولهم ومن ثم زيادة حجم السوق الداخلي. ولاشك أن زيادة حجم السوق تسمح بزيادة الإنتاج ومن ثم تخفي تكاليف الإنتاج والاستفادة بوفورات الإنتاج الكبيرة.

          4 – تدل الإحصاءات على أن الدخل من قطاع الزراعة يكون من 30% و70% من الدخل القومي في الدول النامية. لذلك يجب على هذه الدول أن تهتم برفع إنتاجية العاملين بالزراعة حتى يزداد الدخل من هذا القطاع بما يسمح بتمويل الجزء الأكبر من الخطة الصناعية.

          5 – إن هدف دول العالم الثالث من التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يجب أن يكون فقط زيادة الدخل القومي، ولكن كذلك وبصفة خاصة إعادة توزيعه بين طبقات المجتمع توزيعاً أقرب إلى العدالة. ولما كانت الطبقة الفقيرة نسبياً في الدول النامية والتي تكون حوالى 50% من السكان تعمل في الزراعة، لذلك يجب الاهتمام بهذا القطاع والعمل على رفع مستوى معيشة سكان الريف.

          إن معظم الاقتصاديين المتخصصين في دراسة مشكلات الدول النامية يؤكدون أن التقدم الزراعي في هذه الدول ضرورة هامة، وأنه لن يكتب النجاح لبرامج التصنيع إلا إذا كان هناك تقدم في قطاع الزراعة.

ثانيا: ضرورة التخطيط من أجل التصنيع:

          أن القضاء على التخطيط الاقتصادي في دول العالم الثالث يحتم عليها الاتجاه نحو التصنيع. وفى هذا الفصل نجيب عن عدة أسئلة:

          هل يمكن للأفراد في الدول النامية القيام بعملية التصنيع وحدهم أم أن الدولة وحدها هي القادرة على ذلك؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن للقطاع الخاص أن يتحمل وحده عبء عملية التصنيع أم أن القطاع العام هو المسئول عن ذلك؟.. وسواء كان القطاع الخاص أم العام هو الذى سيضطلع بعبء عملية التصنيع، فكيف يمكن تحقيق أفضل النتائج في أقل فترة ممكنة؟

          إن دراسة اقتصاديات الدول النامية تدل بما لا يدع مجالا للشك أن القطاع الخاص وحده لا يستطيع أن يتحمل عبء عملية التصنيع حقاً إن النهضة الصناعية الكبرى التي حدثت في انجلترا ابتداء من عام 1760، ثم بعد ذلك ولاسيما خلال القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية مثل فرنسا وألمانيا وكذلك في الولايات المتحدة، قد قامت على أكتاف رجال الأعمال ودون تدخل من جانب السلطات العامة. ولكن يجب ألا ننسى أن الظروف والملابسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي صاحبت مراحل تصنيع لدول الغربية تختلف كلية عن تلك التي تسود اليوم حيث تتجه الدول النامية نحو التصنيع.

          ويمكن تلخيص أهم أوجه الاختلاف فيما يلى:

          1 – هناك فرق كبير بين الوضع الاقتصادي الذى ساد أوروبا والولايات المتحدة قبل قيام الثورة الصناعية أي حتى منتصف القرن الثامن عشر، بين الحالة البدائية والفطرية التي يتميز بها اقتصاد بعض دول العالم الثالث ولاسيما بعض المستعمرات وبعض الدول الأفريقية التي حصلت على استقلالها السياسي في السنوات الأخيرة. فمن المعروف – كما تدل على ذلك دراسة التاريخ الاقتصادي(1) – أن الدول الأوروبية كانت قد مارست نشاطاً تجارياً على نطاق واسع، وكانت تسودها اقتصاديات نقدية. وكانت تنتشر فيها الصناعات الحرفية المنظمة، لذلك استطاعت هذه الدول أن تتطور وتتقدم سريعاً عندما قامت الثورة الصناعية.

          2 – إن الطبقة المتوسطة وهى طبقة المنظمين ورجال الأعمال التي قامت على أكتافها النهضة الصناعية في الدول الأوربية لا وجود لها اليوم في دول العالم الثالث. فالمجتمعات في هذه الدول تكون غالباً من طبقتين: طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء. وبين هاتين الطبقتين لا توجد طبقة «متوسطة» حقيقة يمكن أن تضطلع بعبء عملية التصنيع.

          3 – إن الدول الغربية التي وصلت اليوم إلى درجة عالية من التصنيع قد استفادت خلال المراحل الأولى للتصنيع من بقية دول العالم حيث كانت تحصل منها على ما تحتاج إليه صناعاتها من مواد أولية، ونفس الوقت كانت تستفيد منها كأسواق لتصريف منتجاتها تامة الصنع، ولعل تاريخ بريطانيا الاقتصادي يعطينا في هذا المجال مثلاً واضحاً. أما اليوم فإن وضع الدول النامية يختلف عن ذلك تماماً. فعندما تتجه إحدى دول العالم الثالث نحو التصنيع لا تجد حولها إلا دولا منافسة عريقة في الصناعة يتميز إنتاجها الصناعي بجودة عالية وتكلفة منخفضة.

          4 – على الرغم من المزايا العددية والتسهيلات المختلفة التي استفادت منها الدول الغربية خلال المراحل الأولى للتصنيع ـ كما رأينا في الفقرة السابقة ـ فإن هذه الدول قد احتاجت إلى فترة طويلة حتى تصل إلى هذه الدرجة العالية من التصنيع التي هي عليها اليوم. ولاشك أن الدول النامية التي يعيش غالبية السكان فيها في بؤس وفقر وجهل ومرض، لا تستطيع أن تنتظر مئات السنين… إن القضاء على التخلف لن يتحقق ـ كما ذكرنا أكثر من مرة ـ إلا إذا اتبعت دول العالم الثالث سياسة إنمائية قوامها التصنيع بمعدلات سريعة.

          5 – إن النهضة الصناعية التي قامت في الدول الغربية قد استفادت خلال مراحلها الأولى من استغلال الطبقة العاملة، وقد ساعدها على ذلك عدم وجود نقابات عمالية وقوانين وتشريعات خاصة بحقوق العمال، ولاسيما فيما يتعلق بالأجور والإجازات. أما اليوم فإن الوضع يختلف عن ذلك تماماً ولا تستطيع الدول النامية أن تقيم نهضتها الصناعية على حساب الطبقة العاملة.

          هذه الاختلافات بين الوضع الاقتصادي الذى كان يسود الدول النامية اليوم، وبين الوضع الاقتصادي الذى كان يسود الدول الغربية في المراحل الأولى للتصنيع، هي التي تفسر لنا الاتجاه العام للفكر الاقتصادي المعاصر الذى يرى أن القطاع الخاص وحده في الدول النامية يعجز عن تحقيق النهضة الصناعية المرتقبة.

          ولكن ليس معنى ذلك أن يضطلع القطاع العام وحده بعبء عملية التصنيع. فالواقع أن تصنيع دول نامية يستدعى ـ في رأينا ـ تعاون القطاع العام والقطاع الخاص. وقد خاض كثير من الاقتصاديين في مناقشات حول «الصراع» أو «التوازن» بين القطاع العام والقطاع الخاص في مراحل التصنيع في الدول النامية والدول المتقدمة اقتصادياً.

          ولا يتسع المجال هنا للدخول في تفاصيل هذه المناقشات، وإنما نكتفى بالملاحظات التالية:

          1ـ ليست هناك قاعدة جامدة يمكن أتباعها في جميع الدول وفى جميع المراحل لتحديد ما يجب أن يقوم به القطاع العام وما يجب أن يترك للقطاع الخاص.

          2ـ يجب أن يكون التوازن بين القطاع العام والقطاع الخاص توازن حركي Dynamic وليس سكوني Static ومعنى هذا أن التوازن بين القطاع العام والقطاع الخاص يختلف تبعاً لعدة عوامل:

          ( أ ) ما إذا كانت الدولة نامية أو متقدمة اقتصادياً.

          (ب) ما إذا كانت الدولة في المرحلة الأولى للتصنيع أو تعدتها إلى المرحلة التالية.

          (ج) ما إذا كانت الدول في حالة حرب أم حالة سلم.

          (د ) ما إذا كان الاقتصاد القومي يمر بمرحلة رواج أم مرحلة كساد.

          3ـ يجب أن يضطلع القطاع العام بالجزء الأكبر من عبء عملية التصنيع في الدول النامية التي تمر بالمرحلة الأولى للتصنيع.

          والآن.. نجيب عن السؤال الثاني الذى وجهناه في بداية هذا الفصل: سواء كان القطاع الخاص أو العام هو الذى سيضطلع بعبء عملية التصنيع فكيف يمكن تحقيق أفضل النتائج في أقل فترة ممكنة؟

          الواقع أنه لا يمكن لدولة نامية أن تحقق نجاحاً في مجال التصنيع إلا إذا قامت بإعداد وتنفيذ برامج التصنيع داخل إطار خطة قومية اقتصادية.

          وترجع أهمية التخطيط إلى عدة امتيازات، فمن وجهة نجد أن جهاز الأثمان أو السوق لا يضمن تحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة لتعارض المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة في كثير من الأحيان، كما هو الحال مثلا عندما يقبل أصحاب رؤوس الأموال على استثمار أموالهم في إنتاج السلع الكمالية حيث يكون هامش الربح كبير. ومن جهة أخرى فالتخطيط يضمن تحقيق النمو المتوازن أي اتفاق معدلات في جميع فروع النشاط الاقتصادي بحيث لا يسبق أحدها الآخرين لأن الاقتصاد القومي كالسلسلة قوتها لا تعدو قوة أضعف حلقاتها.

          وعلاوة على ذلك فإن وجود خطة اقتصادية ترمى إلى تحقيق أهداف معينة خلال فترة محددة يساعد على دفع عجلة التنمية سريعاً إلى الأمام حيث تتعاون جميع فئات المجتمع وجميع أفراده لتحقيق هذه الأهداف التي آمنوا بها وأدركوا جيداً أنها ستؤدى إلى رفع مستوى معيشتهم وأبنائهم من بعدهم. لذلك يمكن القول أن الاقتصاد القومي بلا تخطيط يشبه الطائرة بلا رادار، يتخبط في الضباب بين تضخم وانكماش وكساد وانهيار.

ثالثا: مشكلة المفاضلة بين الصناعات الخفيفة والصناعات الثقيلة:

          تواجه الدول النامية التي تتجه نحو التصنيع مشكلة على جانب كبير من الخطورة ألا وهى مشكلة المفاضلة بين الصناعات الخفيفة والصناعات الثقيلة(1) وقبل أن نستعرض الجوانب المختلفة لهذه المشكلة يجدر بنا بادئ الأمر أن نشير إلى مفهوم كل من هذين الأسلوبين في التصنيع:

          من المعروف أن «الكثافة الرأسمالية» تكون مرتفعة في الصناعات الثقيلة ومنخفضة في الصناعات الخفيفة، أما «الكثافة البشرية» فتكون منخفضة في الصناعات الثقيلة ومرتفعة في الصناعات الخفيفة.

          ولكن الواقع أن التفرقة بين الصناعات الخفيفة والصناعات الثقيلة ليست بهذه البساطة، فحتى اليوم لا يوجد اتفاق بين الاقتصاديين حول المفهوم الاقتصادي للاصطلاحين «الكثافة الرأسمالية»، و«الكثافة البشرية». وفيما يلى نستعرض الآراء المختلفة في هذا المجال.

          1ـ يرى بعض الاقتصاديين أن المقصود بالكثافة الرأسمالية هو كمية المعدات الإنتاجية المتضافرة مع عنصر العمل أو بعبارة أخرى نسبة الأصول الرأسمالية الثابتة لكل عامل في الصناعة.

          2ـ يرى البعض الآخر أن المقصود بالكثافة الرأسمالية هو نسبة رأس المال المستخدم في الصناعة.

          3ـ يرى فريق ثالث من الاقتصاديين أن المقصود بالكثافة الرأسمالية هو نسبة المستخدم Input سواء من وحدات العمل أو المعدات إلى الناتج Output.

          4ـ يرى فريق رابع من الاقتصاديين أن المقصود بالكثافة الرأسمالية هو نوع الصناعة بصفة عامة على أساس أن هناك علاقة ضمنية بين نسبة رأس المال المتضافر مع وحدة العمل ونوع الإنتاج الصناعي.

          5ـ يرى فريق خامس من الاقتصاديين أن هناك ارتباط بين الكثافة الرأسمالية وحجم المشروع فالمشروعات الكبيرة تستخدم غالباً المعدات الضخمة مما يؤدى إلى زيادة نسبة رأس المال المستخدم مع عنصر العمل. أما المشروعات الصغيرة والمتوسطة فإنها تستخدم أسلوباً إنتاجياً تزداد فيه نسبة العمل إلى رأس المال.

          وإذا كان هناك اختلاف بين الاقتصاديين حول المفهوم الاقتصادي لإصلاح «الكثافة الرأسمالية». فهناك اختلاف كذلك حول المفهوم الاقتصادي لاصطلاح «الكثافة البشرية».

          وعلى أي حال لن نخوض هنا في تفاصيل هذه الآراء المختلفة، ونكتفى بالإشارة إلى أننا نعنى في هذه الدراسة بالصناعات الخفيفة Light Industries تلك التي تتطلب كثافة بشرية مرتفعة، ونعنى بالصناعات الثقيلة Heavy Indusries تلك التي تتطلب كثافة رأسمالية مرتفعة.

          وعلى هذا الأساس يمكن أن القول أن الصناعات الخفيفة تشمل:

( أ ) سلع الاستهلاك الرئيسية (الأقمشة، الملابس، الأحذية…الخ).

(ب) الصناعات الغذائية (لحم، زبد، جبن، سكر، زيت… الخ).

(ج) الصناعات الميكانيكية والكهربية الخفيفة (راديو، تليفزيون، غسالات، ساعات، لمبات كهربائية…الخ).

          أما الصناعات الثقيلة فتشمل:

( أ ) الحديد والصلب.

(ب) الصناعات الكيمائية.

(ج) مواد الوقود المعدنية «فحم وبترول».

(د) القوة النووية والذرية.

(هـ) الصناعات الميكانيكية والكهربائية الثقيلة (عربات السكة الحديد، جرارات زراعية، توربينات، …الخ).

          الآن نعود إلى المشكلة الرئيسية، إلا وهى المفاضلة بين أسلوب الصناعات الخفيفة وأسلوب الصناعات الثقيلة.

          الواقع أن الاقتصاديين وخبراء المنظمات الدولية المتخصصين في دراسة مشكلات التصنيع في دول العالم الثالث لم يتفقوا على رأى واحد في هذا المجال، ويمكن تقسيمهم إلى فريقين: فريق يرى ضرورة البدء بالصناعات الخفيفة، وفريق آخر يرى ضرورة البدء بالصناعات الثقيلة. وعلى الرغم من اختلاف كل من هذين الأسلوبين في التصنيع، إلا أن هدفهما واحد وهو رفع الإنتاجية وزيادة الدخل القومي بمعدلات سريعة وذلك عن طريق تنمية قطاع الصناعة.

          وفيما يلى نناقش الحجج التي يسوقها كل من هذين الفريقين من الاقتصاديين:

الفريق الأول: ضرورة البدء بالصناعات الخفيفة:

          ويستند أنصار هذا الفريق إلى الحجج التالية:

          1ـ من المعروف أن الصناعات الخفيفة تكون فيها الكثافة البشرية عالية أي أنها تخلق قدراً كبيراً من التوظف. ولما كانت معظم الدول النامية تتميز بوجود البطالة المقنعة، فإن الصناعات الخفيفة تناسب هذه الدول لأنها تسمح بإيجاد عمل لفائض العمال الزراعيين. وتظهر ضرورة البدء بالصناعات الخفيفة بصفة خاصة في الدول التي يكون فيها معدل المواليد مرتفعاً، ومن ثم يكون الهدف الأول من سياسة التصنيع هو تجسيم نسبة التوظف لكل وحدة مستخدمة من رأس المال.

          2ـ مهما تعددت مصادر تمويل مشروعات التنمية في دول العالم الثالث، فإن الندرة النسبية لرأس المال ستظل قائمة في الاعتبار الأول، ولما كانت الصناعات الخفيفة بطبيعتها تستخدم نسباً قليلة من رؤوس الأموال، لذلك فإنه من الأنسب للدول النامية أن تبدأ بها.

          3ـ إن سياسة إقامة الصناعات الخفيفة في المراحل الأولى للتنمية تتناسب مع حجم السوق (المحلى والخارجي، الجاري والمحتمل) في دول العالم الثالث، ذلك الحجم الذى لا يلائمه الإنتاج الضخم. كما أن هذه السياسة تتناسب مع الأثمان المقارنة للمدخلات Inputs حيث تكون الأجور منخفضة نسبياً وحيث يرتفع «ثمن» رأس المال، وكذلك فإن سياسة الصناعات الخفيفة تتناسب مع ضرورة الاقتصاد في العملات الأجنبية وعدم تمادى الدولة في الاعتماد على مصادر التمويل الأجنبية.

          4ـ من المعروف أن الصناعات الخفيفة تحتاج على نسبة أقل من العمل الماهر والمهارات والكفاءات العالية. وبالإضافة إلى ذلك فالصناعات الخفيفة لا تتطلب أجهزة إدارية أو تكنولوجية معقدة، كما تقل فيها مشكلة صيانة الآلات والمعدات، ولذلك فإن احتمالات الضياع الصناعي والتعطيل والإسراف قليلة نسبياً.

          5ـ إن انتشار الصناعات الخفيفة في المناطق الريفية يؤدى إلى نهضة هذه المناطق اقتصادياً واجتماعياً، ومن ثم ظهور فئة جديدة من سكان الريف ذات وعى صناعي. وانتشار هذه الصناعات بالمناطق الريفية له ميزة أخرى هي منع ظاهرة التوطن المركزي في المدن الصناعية الكبرى وما يترتب عليه من مشاكل اقتصادية واجتماعية.

          6ـ يحاول بعض الاقتصاديين تبرير وجهة نظرهم من حيث ضرورة البدء بإقامة الصناعات الخفيفة مستشهدين بما حدث في الدول التي وصلت اليوم إلى درجة عالية من التصنيع. فاقتصاديات هذه الدول قد مرت خلال قرنين من الزمان بعدة مراحل قبل أن تصل إلى هذه الدرجة العالية من التصنيع، ومن المؤكد أن الدول النامية لن نستطيع أن «تحرق» هذه المراحل لتصل دفعة واحدة إلى أعلى مراحل التصنيع. حقاً إن التنمية الاقتصادية يجب أن تكون سريعة وفعالة، ولكن يجب في نفس الوقت أن تتم هذه التنمية على مراحل لكل منها مشاكلها الخاصة ولكل منها أسلوب خاص يتلاءم واحتياجاتها من حيث التكنولوجيا الصناعية.

          وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الصناعات الخفيفة هي المقدمة الطبيعية للصناعات الثقيلة لأنها مدرسة للخبرة في الميدان الصناعي ولأنها تخلق أسواقاً لإنتاج الصناعات الثقيلة.

          7ـ إن البدء فإقامة الصناعات الثقيلة يؤدى حتماً على ظهور التضخم وما يتبعه من آثار سيئة على التنمية الاقتصادية لأن استثمار رؤوس الأموال في الصناعات الثقيلة سيؤدى إلى زيادة الإنتاج الكلى، ومن ثم زيادة الدخل القومي، هذه الزيادة في الدخل القومي سيخصص الجزء الأكبر منها للإنفاق على استهلاك لأن الميل الحدى للاستهلاك في الدول النامية مرتفع. هذه الزيادة في الطلب على السلع الاستهلاكية لا تقابلها زيادة في إنتاج هذه السلع مما يؤدى إلى ارتفاع أسعارها وظهور التضخم لأن الزيادة في الطلب على السلع الاستهلاكية تقابلها زيادة في إنتاج هذه السلع.

الفريق الثاني: ضرورة البدء بالصناعات الثقيلة:

          ويستند أنصار هذا الفريق إلى الحجج الآتية:

          1ـ إن الصناعات الثقيلة هي أساس تقدم جميع قطاعات الاقتصاد القومي، فوجود هذه الصناعات في أي دولة تتجه نحو التصنيع يعتبر شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، ومن ثم الاستقلال السياسي لأن هذا الأخير لا يكتمل ولا يكون له أي معنى إلا إذا تحقق الاستقلال الاقتصادي.

          2ـ إن اكتفاء إحدى الدول بإقامة الصناعات الخفيفة دون الصناعات الثقيلة يعنى استمرار هذه الدولة في استيراد الآلات اللازمة لإنتاج السلع الاستهلاكية من الدول الأجنبية التي وصلت إلى درجة عالية من التصنيع. ولاشك أن هذه السياسة تمثل خطراً كبيراً يهدد اقتصاد الدولة التي تتبعها لأن الدول الصناعية الكبرى التي تقوم بتصدير الآلات تكون بذلك متحكمة في الدول النامية التي تتبع هذه السياسة.

          3ـ يرى الاقتصاديون أنصار هذا الرأي أن سياسة البدء بالصناعات الثقيلة تكون في الأجل الطويل في صالح ميزان المدفوعات، ويبررون وجهة نظرهم بالتحليل التالي: في الأجل القصير نجد أن السياستين (سياسة البدء بالصناعات الخفيفة وسياسة البدء بالصناعات الثقيلة) ليستا في صالح ميزان المدفوعات. لأننا إذا اتبعنا السياسة الأولى (البدء بالصناعات الخفيفة) فسنضطر إلى استيراد الآلات من الخارج، وإذا اتبعنا السياسة الثانية (البدء بالصناعات الثقيلة) فسنضطر إلى استيراد السلع الاستهلاكية من الخارج.

          4ـ يرى أنصار هذه السياسة أن التاريخ يؤيد وجهة نظرهم حيث نجد أن الدول التي أخذت بأسلوب التخطيط لم تتمكن من تحقيق تنمية سريعة وحل مشاكلها الاقتصادية عن طريق تجيع الأساليب ذات الكفاية المنخفضة، فالأمر الذى لاشك فيه أن تحقيق معدلات سريعة للنمو الاقتصادي يستدعى تحقيق معدل كفاية عمالية مطرد الارتفاع حيث يحدث الأثر التراكمي للإنتاج المتزايد ومن ثم يزداد الدخل مما يؤدى إلى زيادة الادخار والاستثمار، ومن الطبيعي ألا تتحقق الكفاية العالية إلا بإتباع الأساليب التكنولوجية التي تستخدم كثافة رأسمالية عالية.

          5ـ من الثابت أن إنتاجية الوحدة من العمل تكون أكثر ارتفاعاً في الصناعات الثقيلة عنها في الصناعات الخفيفة، ويترتب على ذلك أن الفائض الذى ينتجه العامل ـ أي الفرق بين قيمة ما ينتجه وقيمة ما يحصل عليه من أجور خلال وحدة زمنية معينة ـ سيكون أكبر في الصناعات الثقيلة عنه في الصناعات الخفيفة(1). ولاشك أن توجيه هذا الفائض بصفة مستمرة إلى الاستثمار يؤدى إلى زيادة كبيرة في الإنتاج ومن ثم تحقيق معدلات سريعة النمو الاقتصادي(2).

          6ـ يعترف أنصار سياسة البدء بالصناعات الثقيلة أن فرص التوظف ومعدلات الاستهلاك التي تضيفها هذه الصناعات الثقيلة قد تكون قليلة نسبياً في المراحل الأولى، ولكنهم يؤكدون أنها ستزايد تدريجياً حتى تقترب من تلك التي تولدها الصناعات الخفيفة نتيجة تزايد التراكم الاستثماري حتى مرحلة التوظف الكامل Full employment.

          7ـ وأخيراً يرد أنصار هذه السياسة على مؤيدي سياسة البدء بالصناعات الخفيفة الذين يدعون أنه من الحكمة تحقيق فائض وتوجيهه للاستثمار عن طريق خفض الأجور الحقيقية وتقيد الاستهلاك خلال فترة معينة بأن هذه الإجراءات يصعب تطبيقها في الدول النامية وذلك لسبين:

          ( أ ) أن الأجور في دول العالم الثالث تكون عادة منخفضة، لذلك فليس من المعقول أن تقبل الشعب سياسة تؤدى إلى خفض مستوى معيشته.

          (ب) إن خفض الأجور الحقيقية يعنى ضعف الحافز على التوسع الاستثماري في القطاع الخاص نظراً لضعف القوة الشرائية وضيق حجم السوق مما يجعل الكفاية الحدية لرأس المال Marginal etficiency of capital منخفضة جداً.

          تخلص مما تقدم إلى أن الاقتصاديين وخبراء المنظمات الدولية المتخصصين في دراسة مشكلات الدول النامية مازالوا حتى اليوم مختلفين حول الأسلوب الذى يجب أن تتبعه هذه الدول عندما تقرر الاتجاه نحو التصنيع، هل هو أسلوب الصناعات الخفيفة أم أسلوب الصناعات الثقيلة. والواقع أن هذا الاختلاف بين الاقتصاديين وخبراء المنظمات الدولية يجعل المسئولين في الدول النامية في حيرة من أمرهم.

          ولتوضيح ذلك نذكر الواقعة التالية: أوفدت إحدى المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة مجموعة من الخبراء الاقتصاديين إلى إحدى دول العالم الثالث لدراسة أحوالها الاقتصادية وتقديم تقرير على أسلوب التصنيع الذى يمكن أن تسلكه هذه الدول. وقد حدث أن اختلفت الخبراء وقدموا تقريرين متناقضين، أحدهما يرى أن هذه الدولة يجب أن تبدأ بإقامة الصناعات الثقيلة، والآخر ينصحها بضرورة البدء بإقامة الصناعات الخفيفة(1).

          ونحن نعتقد أن المسألة ليست بهذه البساطة بمعنى أنه لا يمكن القول أن الدول النامية التي تقرر الاتجاه نحو التصنيع يجب أن تبدأ بإقامة الصناعات الخفيفة أو يجب أن تبدأ بإقامة الصناعة الثقيلة، والحل السليم لهذه المشكلة ـ في رأينا ـ يتمثل فيما يلي:

          1- لا يوجد أسلوب واحد للتصنيع يصلح لجميع الدول ويمكن أتباعه في جميع مراحل النمو، فالسياسة التصنيعية التي تصلح لدولة ما قد لا تصلح لدولة أخرى. وكذلك فإن السياسة التصنيعية التي تصلح لدولة ما خلال مرحلة معينة من مراحل نموها قد لا تصلح خلال المراحل الأخرى. لذلك يجب على كل دولة أن تختار السياسة التصنيعية التي تتناسب مع مواردها الطبيعية والمادية والبشرية والتي تتناسب كذلك مع ظروفها وأحوالها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي تقتضيها طبيعة مرحلة النمو التي تمر بها.

2- يجب على المسئولين في الدول النامية أن يتذكروا دائما أنه مهما تعددت مصادر تمويل مشروعات التنمية، فإن الندرة النسبية لرأس المال إذا ما قورنت بالوفرة النسبية لعنصر العمل، ولاسيما في الدول التي تعانى من تزايد السكان بمعدلات سريعة، ستطل قائمة في الاعتبار الأول عند تحديد أسلوب التصنيع الذى يجب أتباعه.

          3 ليس من الضروري أن تتمسك الدول النامية التي تتجه نحو التصنيع بالاعتبارات التكنولوجية والاقتصادية البحتة والمنطق الإنمائي الصحيح في الأجل الطويل. فكثيراً ما تضطر الدول إلى التضحية بهذه الأسس والقواعد في سبيل تحقيق أهداف اجتماعية أو مواجهة ظروف خارجية. فقد يكون هدف المجتمع مثلا تجسيم حجم التوظف أو تجسيم الاستهلاك، ففي هذه الحالة تبدأ الدولة بإقامة الصناعات الخفيفة رغم ما يسفر عن ذلك من انخفاض الكفاية العمالية وبطء معدل زيادة الدخل القومي، وقد تواجه إحدى الدول ضغطاً اقتصادياً من الخارج فتضطر إزاء ذلك إلى الاهتمام بالصناعات الخفيفة لإنتاج السلع الاستهلاكية اللازمة لسد حاجة الاستهلاك المحلى.

          4- يجب على المسئولين عن السياسة التصنيعية في الدول النامية الاهتمام بدراسة تكاليف الإنتاج في كل صناعة قبل اتخاذ قرار بإقامتها ومحاولة إيجاد شيء من التوازن بين الهدف الاقتصادي البحت (أي الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة) والأهداف الاجتماعية الأخرى. وبعبارة أخرى إذا قررت إحدى الدول إقامة عدد من الصناعات الخفيفة ذات الكثافة البشرية العالية لخلق فرص التوظف، فليس معنى ذلك أن تكون هذه الصناعات بمثابة “إعانة للمتعطلين.

          5- إن مشكلة المفاضلة بين الصناعات الخفيفة والصناعات الثقيلة قد لا تعرض أصلا لبعض الدول التي تحتم ظروفها ضرورة البدء بالصناعات الخفيفة كما هو الحال مثلا بالنسبة للدول الصغيرة ذات الموارد الطبيعية والطاقات البشرية الضعيفة، وكما هو الحال كذلك بالنسبة للدول التي تسودها أنماط معيشة معينة لا تتفق مع التحول الاجتماعي الذى يترتب على توطن الصناعات الكبرى في المدن.

          6- قد تقرر إحدى الدول النامية البدء بإقامة الصناعات الخفيفة لتجسيم التوظف والاستفادة من انخفاض الأجور، ولكن قد تؤدى هذه السياسة خلال مراحل التنمية إلى نتيجة عكسية إذ يحدث أحياناً أن ترتفع الأجور نتيجة لسياسة نقابية أو سياسية حكومية أو كهدف اجتماعي أو…..الخ، ومن الطبيعي أن يؤدى ذلك إلى تضخم في تكاليف الإنتاج ومن ثم عدم الاستفادة من الانخفاض النسبي للأجور.

          7- إذا قررت إحدى الدول البدء بإقامة الصناعات الخفيفة أو الصناعات الثقيلة، فيجب على المسئولين عن سياسة التصنيع العمل على إقامة بنيان صناعي متكامل.. فالتصنيع لا يعنى فقط إقامة المصانع وتركيب العدد والآلات.. فالمصانع في حاجة إلى مهندسين لإعداد وتصميم العمليات الإنتاجية والإشراف على تنفيذها، والعدد والآلات في حاجة إلى فنيين وعمال مهرة ذوى دراية تامة وخبرة عالية لإدارتها وإصلاحها، وتحتاج المصانع كذلك إلى طبقة من الإداريين والمحاسبين ذوى الخبرة الطويلة والكفاءة العالية، فلابد إذن من العمل على تكوين وإعداد هؤلاء جميعاً لضمان نجاح حركة التصنيع.

          وعلاوة على ذلك فلابد من وجود شبكة جيدة من الطرق البرية والسكك الحديدية، كما يجب العمل على تحسين حركة النقل بالموانئ النهرية والبحرية.

          وبالإضافة إلى ذلك فإن البنيان الصناعي لن يكتمل إلا إذا توافرت البنوك وهيئات التأمين لتقديم الخدمات اللازمة لحركة التصنيع.

          8- وأخيراً، لنعلم الدول النامية شعوباً وحكومات، أن حركة التصنيع (سواء أتبع أسلوب الصناعات الخفيفة أم أسلوب الصناعات الثقيلة) لن يكتب لها النجاح إلا إذا آمن بها جميع أفراد المجتمع وجميع فئاته وتعاونوا جميعاً للوصول إلى الهدف المرتقب. فلابد من أتباع سياسة التقشف، ولا نقصد بذلك تقشف بعض الأفراد ولكن تقشف جميع أفراد المجتمع. ولابد كذلك من محاربة جميع أوجه الإسراف وخفض نفقات الدولة الإدارية إلى أقصى حد ممكن حتى تسير حركة التصنيع بمعدلات سريعة.

رابعا: التصنيع وحجم السوق:

          تواجه الدول النامية التي تتجه نحو التصنيع مشكلة بالغة الخطورة ألا وهى مشكلة تحديد الحجم الاقتصادي لوحدة الإنتاج. وبعبارة أخرى هل ستكون المصانع والمشروعات الصناعية التي يتقرر إقامتها من النوع صغير أو متوسط أو كبير الحجم؟.. وهل ستستخدم تلك المصانع والمشروعات الصناعية الآلات والأساليب الفنية الحديثة في الإنتاج بما في ذلك الآلية الكاملة: الواقع أن الإجابة عن هذه الأسئلة تتوقف على حجم السوق.

          وتجدر الإشارة منذ البداية إلى أن حجم السوق في دولة ما لا يقاس بمساحتها الجغرافية (وإلا كان حجم السوق في الصين والهند كبيراً)، ولكن بالقوة الشرائية الحقيقية، فكلما كانت القوة الشرائية الحقيقية كبيرة، كان حجم السوق كبيراً والعكس صحيح. والقوة الشرائية كما هو معروف تتوقف عند عدد من العوامل أهمها عدد السكان ومستوى الدخل القومي، ومتوسط دخل الفرد، وطريقة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع، والميل المتوسط للاستهلاك، وغير ذلك من العوامل. والواقع أن هذه العوامل جميعاً تتفاعل مع بعضها البعض لتحدد الحجم النهائي للسوق. ولكن لا يمنع ذلك من القول أن «متوسط دخل الفرد» هو العامل الرئيسي في تحديد حجم السوق.

          وتجدر الإشارة كذلك إلى أن حجم السوق لسلعة ما لا يكون متسعاً أو ضيقاً بصفة مطلقة، وإنما يكون ذلك بالنسبة للحجم الاقتصادي لوحدة الإنتاج.

          من المعروف في الدراسات الاقتصادية أن المشروعات الكبيرة التي تستخدم معدات رأسمالية ضخمة تكون أكثر كفاية من المشروعات الصغيرة لاستفادتها من وفورات الإنتاج الكبير (كتقسيم أو تجزئة العملية الإنتاجية إلى مراحل وتخصص العناصر البشرية في كل مرحلة منه، وتكامل العملية رأسيا وأفقيا، واستخدام الفضلات في وضع منتجات ثانوية، واستخدام الكفايات الإدارية الممتازة، وسهولة الاقتراض…الخ (وإلى جانب هذه الوفورات الداخلية، يترتب على إقامة المشروعات الصناعية الكبرى «وفورات خارجية» لأن انتشار الصناعة وتوطنها في منطقة معينة يجعل هذه المنطقة مركزاً صناعيا هاماً تقوم فيه صناعات متماثلة أو متشابهة فتنتشر مراكز الأبحاث ويزداد التقدم. وبالإضافة إلى ذلك تنتشر المرافق العامة (كتشييد المساكن وتعبيد الطرق والخدمات المختلفة) وعلاوة على ذلك تستفيد الصناعة من وجود فروع للبنوك وشركات التأمين والتخزين ومكاتب المهندسين وغيرها من الأجهزة التي تخدم الصناعة.

          ولن نخوض هنا في تفاصيل الوفورات الداخلية والخارجية التي تستفيد منها المشروعات الصناعية الكبيرة، وإنما نكتفى بالإشارة إلى أن منحنى متوسط التكلفة يكون أكثر انخفاضاً في المشروعات الصناعية الكبيرة عنه في المشروعات الصناعية الصغيرة، وبعبارة أخرى يستطيع المشروع الصناعي الكبير أن ينتج نفس المنتجات التي ينتجها المشروع الصناعي الصغير ولكن بتكلفة نسبية أقل.

          وعلى ضوء هذه الاعتبارات سنحاول الآن أن نناقش مشكلة حجم السوق في الدول النامية. يقول بعض الاقتصاديين المتخصصين في دراسة مشكلات دول العالم الثالث أن الحافز على الاستثمارات يتوقف إلى حد بعيد على حجم السوق. والقوة الشرائية ضعيفة ليس من حيث الدخل النقدي وإنما لانخفاض الدخل الحقيقي. وبعبارة أخرى فإن ضعف القوة الشرائية في الدول النامية لا يعنى وجود فجوة انكماشية (في تعبير الاقتصاد الكينزى) لأن ليس ضعفا في القوة الشرائية النقدية أو نقصا في الطلب الفعال، وإنما هو نقص في القوة الشرائية الحقيقية، ولذلك فإن «التوسع النقدي» لا يمكن أن يكون حلا لهذه المشكلة.

          ويستشهد راجنز نوركس Ragnar Nurkse على ضيق حجم السوق في الدول النامية بعدة أمثلة، فهناك سلع في الدول المتقدمة اقتصاديا قد لا تجد لها سوقا على الإطلاق في الدول النامية، وحتى إذا وجدت السوق فإنها تكون ضعيفة مما لا يبرر استخدام المعدات الرأسمالية الضخمة. فقد حدث أن فتحت بعض المصانع الأمريكية فروعاً لها بعض دول أمريكا اللاتينية ولكنها اضطرت بعد فترة وجيزة إلى إغلاق هذه المصانع واسترداد المعدات والآلات الضخمة لأنها ظلت عاطلة فترات طويلة بسبب صغر حجم السوق الناتج من ضعف القوة الشرائية الحقيقية. يتضح من هذه التجربة أن استخدام آلة أوتوماتيكية واحدة بأيام قلائل يعطى إنتاجا يكفى لتغطية حاجات الاستهلاك المحلى لمدة عام في دولة نامية تكون فيها السوق ضيقة.

          ومن المعروف أن قانون Say للأسواق ينص على أن «كل عرض يخلق الطلب الخاص به» ولكن يقول راجنر نوركس أن هذا القانون لا ينطبق في الدول النامية لأن الأفراد في هذه الدول لا ينفقون الزيادة في دخلهم على منتجاتهم النوعية. فمثلا في حالة التوسع في إنتاج الأحذية لن ينفق الأفراد الزيادة في دخولهم لشراء المزيد من الأحذية لأن هناك حاجات أخرى ـ كالغذاء والكساء الأساسي ـ أولى بهذا الإنفاق.

          والآن بعد أن استعرضنا الجوانب المختلفة للمشكلة، نصل إلى النتائج التالية:

          1 – يجب على المسئولين عن سياسة التصنيع في الدول النامية أن يأخذوا في اعتبارهم الحقيقة التالية: إن بعض الصناعات تتلاءم بطبيعتها مع الكثافة الرأسمالية العالمية من حث الآلات والمعدات المستخدمة وكذلك من حيث حجم المشروع، بينما صناعات أخرى تتلاءم بطبيعتها مع الكثافة البشرية العالية أو الحجم المتوسط والصغير للمشروع.

          2 – يجب على الدول النامية أن تتخصص في إنتاج السلع الصناعية التي يتمشى الحجم الاقتصادي لوحدة إنتاجها مع حجم السوق المحلى، كما يمكن لدول العالم الثالث أن تتخصص كذلك في إنتاج بعض أجزاء من السلعة وذلك في حالة السلع التركيبية.

          3 – إن الصعوبات التي تنشأ نتيجة لضيق حجم السوق ـ ولاسيما ضعف الحافز على الاستثمار ـ والتي يشير إليها بعض الاقتصاديين وعلى رأسهم راجنر نوركس Ragnar Nurkse لا تظهر في الواقع إلا في حالة إقامة صناعة واحدة أو نوع واحد من الإنتاج. أما إذا طبقنا الكثافة الرأسمالية لعدد كبير من الصناعات في وقت واحد، فإن هذه الصعوبات تختفى تماماً. ويرجع ذلك إلى أن الأفراد العاملين بالصناعات الجديدة المتعددة سيصبحون عملاء بعضهم للبعض الآخر. فمن المعروف أن الصناعات التي تنتج سلعاً استهلاكية شعبية هي صناعات متكاملة، ولذلك فهي تفتح الأسواق بعضها للبعض الآخر، وبذلك يتسع حجم السوق مما يؤدى إلى زيادة الحافز على الاستثمار ومن ثم زيادة الطلب على رؤوس الأموال.

          4 –  يجب على المسئولين عن سياسة التصنيع في دول العالم الثالث أن يفرقوا بين «التنمية متسعة السوق» أي تلك التي تعتمد على الأسواق الخارجية إلى جانب السوق المحلى، وبين «التنمية ضيقة السوق» أي تلك التي تعتمد على السوق المحلى فقط. فإذا كانت التنمية تعتمد على سوق متسعة، فلابد في هذه الحالة من تنمية التجارة الخارجية جنباً على جنب مع التوسع الاستثماري في الداخل.

          5 – يمكن للدول النامية أن تكتفى بإقامة مصنع واحد أو مصنعين على الأكثر لإنتاج السلع التي تحتم طبيعتها الإنتاج على نطاق كبير لخفض تكاليف الإنتاج إلى حد معقول، أما إذا كان إنتاج مصنع واحد ذو حجم كبير يزيد كثيراً عن حاجة الاستهلاك المحلى ولم تكن هناك إمكانيات وفرص للتصدير، فليس أمام الدولة في هذه الحالة إلا أحد أمرين: أما التوقف كلية عن إنتاج هذه السلعة محلياً والاكتفاء باستيرادها من الخارج، وإما إقامة مصنع أو مصنعين ذو حجم متوسط والتضحية بالانخفاض النسبي للتكاليف، ولاشك أن المفاضلة بين هذين الأسلوبين تتوقف على الظروف الخاصة بكل دولة على حدة.

          6 – يجب على المسئولين عن سياسة التصنيع في الدول النامية أن يتذكروا دائماً أن حجم السوق مسألة حركية Dynamic وليست سكونية Static. فكلما سارت الدولة في طريق التنمية الاقتصادية، كلما زاد الناتج القومي ومن ثم الدخل القومي مما يؤدى إلى زيادة الإنفاق على الاستهلاك أي زيادة القوة الشرائية الحقيقية وهذا يعنى زيادة جم السوق. لذلك يجب عند إعداد برامج التصنيع أن يؤخذ في الاعتبار الاتساع المنتظر في حجم السوق في المستقبل القريب. وهذا يستدعى دراسة المرونة الداخلية للسلعة، ومعدلات النمو المتوقعة في متوسط دخل الفرد والتغيرات المنتظرة في توزيع الدخل بين أفراد المجتمع، والأسعار المتوقعة، وغير ذلك من العوامل التي تؤثر في حجم السوق للسلعة، وبذلك يتحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك الكلى فقط، ولكن كذلك التوازن القطاعي أي توازن الإنتاج والاستهلاك في كل فرع من فروع الصناعة ولكل سلعة على حدة.

          7 – يجب على المهندسين والفنيين والاقتصاديين ورجال الأعمال في الدول المتقدمة اقتصادياً والدول النامية على حد سواء أن يتعاونوا ويوحدوا جهودهم للوصول إلى أساليب إنتاج جديدة تتلاءم وحجم السوق في دول العالم الثالث التي تتميز بالندرة النسبية لرأس المال والكثافة البشرية العالمية وضيق حجم السوق، وبذلك تستطيع الدول النامية إنتاج السلع الصناعية بتكاليف منخفضة نسبياً.

          8 – من المعروف أن زيادة حجم السوق قد تتم عن طريق «التوسع الرأسي» أي زيادة القوة الشرائية الحقيقية داخل حدود الدولة، وقد تتم عن طريق «التوسع الأفقي» أي زيادة رقعة الأرض التي يتم فيها تبادل السلع والخدمات فبدلا من أن تكتفى كل دولة نامية بسوقها المحلى الضيق وتلجأ إلى حماية صناعاتها الناشئة بالتعريفات الجمركية الحامية، يمكنها أن تعمل على تكوين «سوق مشتركة» مع عدد آخر من الدول النامية المجاورة. وبذلك تستطيع هذه الدول أن تستفيد من مبدأ التخصص ووفورات الإنتاج الكبير. وقد زادت الحاجة إلى تكوين هذه الأسواق المشتركة بين الدول النامية في السنوات الأخيرة حيث أن الدول المتقدمة اقتصادياً لجأت إلى هذا الأسلوب وأهمها تكوين السوق الأوربية المشتركة عام 1957، ومنطقة التجارة الحرة عام 1960.

خامسا: الصناعات الصغيرة:

          يشمل تعبير «الصناعات الصغيرة” الصناعات الريفية والصناعات الحرفية والصناعة المنزلية. أما الصناعات الريفية فهي تلك التي تقوم على أساس تصنيع الخامات الريفية مثل صناعة السجاد والأكلمة وصناعة عسل النحل وصنعة تعبئة الخضر والفاكهة وصناعة الزهور وصناعة الحصر وصناعة تجفيف البلح وغيرها. وأما الصناعات الحرفية فهي تلك التي تحتاج إلى تدريب خاص ومهارة معينة لممارستها مثل النقوش والزخارف وغيرها. وأما الصناعات المنزلية فهي تلك التي تمارس داخل المنازل وتماسها عادة النساء. وكما هو واضح تتميز هذه الصناعات جميعاً بأنها تعتمد إلى حد بعيد على اليد العاملة ولا تحتاج على رأس مال كبير. لذلك فهي تتناسب وظروف الدول النامية التي تتميز – كما سبق أن ذكرنا أكثر من مرة – بالندرة النسبية لرأس المال ولاسيما إذا ما قورنت بالوفرة النسبية لعنصر العمل.

          ويمكن أن نجعل المزايا التي تعود على دول العالم الثالث من تشجيع الصناعات الصغيرة فجمايلي:

          1 – لعل أهم ميزة للصناعات الصغيرة هي خلق فرص عديدة للتوظف ومن ثم الإسهام في علاج مشكلة البطالة الموسمية والفنية، وذلك وبصفة خاصة البطالة المقنعة Disguised Uneployment التي تعانى منها الدول النامية، وبذلك يمكن مقابلة الزيادة السريعة في عدد سكان الريف وتوجيههم إلى مهن غير زراعية تخفيفاً عن كامل الأرض الزراعية.

          2 – الإسهام في زيادة الدخل القومي خلال فترة قصيرة نسبياً.

          3 – الاستفادة من استغلال الخامات الزراعية إلى أقصى حد ممكن سواء كانت من المنتجات أو المخلفات.

          4 – الحد من تركيز الصناعات في المدن الكبيرة لأن ذلك – كما سنرى تفصيلا فيما بعد – يجلب معه مشاكل كثيرة ولاسيما مشاكل الإسكان والمواصلات والخدمات.

          5 – الإسهام في تنمية الصادرات ومن ثم زيادة حصيلة الدولة من العملات الأجنبية.

          6 – تحقيق النمو الاقتصادي المتوازن جغرافياً في تحقيق معدلات متقاربة للنمو الاقتصادي في جميع المناطق الإدارية.

          لذلك يجب على المسئولين عن السياسة التصنيعية في الدول النامية تشجيع إقامة الصناعات الصغيرة والنهوض بها وتذليل الصعوبات التي تواجهها وذلك على الأسس الآتية:

          1 – إعداد مراكز تدريبية لتكوين جيل من ذوى الخبرة الفنية للعمل بالصناعات الصغيرة وذلك لتغطية الطلبات العادية المتجددة ثم التوسع بهدف امتصاص اليد العاملة المتزايدة، وبذلك يرتفع المستوى الفني للعاملين بهذه الصناعات ومن ثم ترتفع كفايتهم الإنتاجية.

          2 – من أهم الصعوبات التي تواجهها الصناعات الصغيرة صعوبة الحصول على الأموال اللازمة، لذلك يجب على الدولة أن تمد هذه الصناعات بالقروض قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل بفوائد معتدلة.

          3 – مد الصناعات الصغيرة بالخدمات التي لا يمكنها أن توفرها لنفسها بمفردها وإرشادها إلى الخامات الجديدة (محلية أو مستوردة)، ثم تسويق الإنتاج (محلياً أو في الخارج)، وبذلك يتفرغ العمال للإنتاج.

          4 – لاشك أن التعاون هو الوسيلة الفعالة للنهوض بالصناعات الصغيرة حيث يؤدى إلى تسهيل الإشراف عليها وتبسيط عمليات مدها بما تحتاجه من خدمات وكذلك وبصفة خاصة تجميع إمكانياتها الصغيرة المشتتة حتى يمكنها أن تواجه عوامل المنافسة وبالإضافة إلى ذلك فإن التعاون يحمى العاملين بالصناعات الصغيرة من سيطرة واستغلال الممولين والتجار الذين يقومون بتصريف المنتجات.

(1) لا يجب أن يفهم من ذلك أن الاتجاه نحو التصنيع وحده يكفى لحل مشكلة السكان في الدول التى تعان من التضخم السكانى بالنسبة للموارد الطبيعية. والواقع أن هذه المشكلة تستدعى دراسة خاصة لظروف كل دولة يمكن على ضوئها رسم سياسة سكانية سليمة تعتمد على التخطيط طويل الأجل، راجع مؤلفنا «التنمية الاقتصادية»، ص 70 وما بعدها.

(1) راجع مؤلفنا التطور الاقتصادى، لاسيما صفحات 56- 123.

(1)        يمكن للقارئ الرجوع إلى كتاب الأستاذ هوفمان Hoffman عن «نمو الاقتصاد الصناعي» The growth of industrial economics الذى نشرته جامعة مانشستر عام 1958. وفى هذا المؤلف يوضح هوفمان بدراسة إحصائية المراحل المختلفة التى مرت بها الدول التى وصلت اليوم إلى = =درجة عالية من التصنيع، والأهمية النسبية للصناعات الخفيفة والصناعات الثقيلة خلال المراحل المختلفة للتنمية الصناعية.

(1)        ويحدث ذلك حتى ولو كانت معدلات الأجور في الصناعات الخفيفة أقل منها في الصناعات الثقيلة طالما أن الفرق بين معدل الأجور أقل من الفرق بين معدل الإنتاجية.

(2)   Water Calenson: “The problem of industrial productivity in backwardaroeas” in Labour, Management and Economic Growth, 1954.

(1) Voir industialisation et Produotivité, P. 6, Bulletin No 1, New york, Avril, 1958.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق